عثمان بن جني ( ابن جني )
339
الخصائص
* أتاك أتاك اللّاحقوك احبس احبس " 1 " * فاعرف ذلك فرقا بين توكيد المعنى الواحد ، - نحو الأمر والنهى والإضافة - وتوكيد معنى الجملة ، في ( امتناع اجتماع ) حرفين لمعنى واحد ، وجواز اجتماع حرفين لمعنى جملة الكلام في لتقربنّ وإمّا ترينّ ؛ ألا ترى أنك إذا قلت : هل تقومنّ ف ( هل ) وحدها للاستفهام ؛ وأما النون فلتوكيد جملة الكلام . يدلّ على أنها لذلك لا لتوكيد معنى الاستفهام وحده وجودك إياها في الأمر ؛ نحو اضربنّ زيدا ، وفي النهى في لا تضربنّ زيدا ، والخبر في لتضربنّ زيدا ، والنفي في نحو قلّما تقومنّ ، فشياعها في جميع هذه المواضع أدلّ دليل على ما نعتقده : من كونها توكيدا لجملة القول ، لا لمعنى مفرد منه مخصوص ؛ لأنها لو كانت موضوعة له وحده لخصّت به ، ولم تشع في غيره كغيرها من الحروف . فإن قلت : يكون من الحروف ما يصلح من المعاني لأكثر من الواحد ؛ نحو : من ، فإنها تكون تبعيضا وابتداء ، ولا ، تكون نفيا ونهيا وتوكيدا ، وإن ، فإنها تكون شرطا ونفيا وتوكيدا . قيل : هذا إلزام يسقطه تأمّله . وذلك أن من ولا وإن ونحو ذلك لم يقتصر بها على معنى واحد ؛ لأنها حروف وقعت مشتركة كما وقعت الأسماء مشتركة ؛ نحو الصدى ؛ فإنه ما يعارض الصوت ، وهو بدن الميت ، وهو طائر يخرج فيما يدّعون من رأس القتيل إذا لم يؤخذ بثأره . وهو أيضا الرجل الجيّد الرعية للمال في قولهم : هو صدى مال ، وخائل مال ، وخال مال ، وسر سور مال ، وإزاء مال ، و ( نحو ذلك من ) الشوى " 2 " ونحوه مما اتفق لفظه واختلف معناه . وكما وقعت الأفعال مشتركة ؛ نحو وجدت في الحزن ، ووجدت في الغضب ، ووجدت في الغنى ، ووجدت في الضالّة ، ووجدت بمعنى علمت ، ونحو ذلك ، فكذلك جاء نحو هذا في الحروف . وليست كذلك النون ؛ لأنها وضعت لتوكيد ما قد أخذ مأخذه ، واستقرّ من الكلام بمعانيه المفادة من أسمائه وأفعاله وحروفه . فليست
--> ( 1 ) سبق . ( 2 ) الشوى : الهيّن من الأمر ، والشوى : اليدان والرجلان وأطراف الأصابع وقحف الرأس . اللسان ( شوا ) .